يحكى أن شيخًا كبيرًا جمع أولاده، وأعطاهم حزمة من الحطب، وطلب منهم أن يكسروها، فحاول كل واحد منهم كسر الحزمة لكنهم لم يستطيعوا، فأخذ الأب الحزمة وفكها إلى أعواد كثـيـرة، وأعطى كل واحد من أبنائه عودًا، وطلب منه أن يكسره، فكسره بسهـولة.
*أمر الله إبراهيم -عليه السلام- أن يرفع جدران الكعبة، ويجدد بناءها، فقام إبراهيم -عليه السلام- على الفور لينفذ أمر الله، وطلب من ابنه إسماعيل -عليه السلام- أن يعاونه في بناء الكعبة، فأطاع إسماعيل أباه، وتعاونا معًا حتى تم البناء، قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127].
*أرسل الله موسى -عليه السلام- إلى فرعون؛ يدعوه إلى عبادة الله وحده، فطلب موسى -عليه السلام- من الله -سبحانه- أن يرسل معه أخاه هارون؛ ليعاونه ويقف بجانبه في دعوته، فقال: {واجعل لي وزيرًا من أهلي . هارون أخي . اشدد به أزري . وأشركه في أمري} [طه: 29-32]. فاستجاب الله تعالى لطلب موسى، وأيده بأخيه هارون، فتعاونا في الدعوة إلى الله؛ حتى مكنهم الله من النصر على فرعون وجنوده.
*أعطى الله -سبحانه- ذا القرنين مُلكًا عظيمًا؛ فكان يطوف الأرض كلها من مشرقها إلى مغربها، وقد مكَّن الله له في الأرض، وأعطاه القوة والسلطان، فكان يحكم بالعدل، ويطبق أوامر الله* .
وكان في الأرض قوم مفسدون هم يأجوج ومأجوج، يهاجمون جيرانهم، فينهبون أموالهم، ويظلمونهم ظلمًا شديدًا؛ فاستغاث هؤلاء الضعفاء المظلومون بذي القرنين، وطلبوا منه أن يعينهم على إقامة سـد عظيم، يحول بينهم وبين يأجوج ومأجوج، {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا} [الكهف: 94].
فطلب منهم ذو القرنين أن يتحدوا جميعًا، وأن يكونوا يدًا واحدة؛ لأن بناء السد يحتاج إلى مجهود عظيم، فعليهم أن يُنَقِّبُوا ويبحثوا في الصحراء والجبال، حتى يحضروا حديدًا كثيرًا لإقامة السد، قال تعالى: {قال ما مكني فيه خيرًا فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا} [الكهف: 95]. وتعاون الناس جميعًا حتى جمعوا قدرًا عظيمًا من الحديد بلغ ارتفاعه طول الجبال، وصهروا هذا الحديد، وجعلوه سدَّا عظيمًا يحميهم من هؤلاء المفسدين.
*كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة هو بناء المسجد، فتعاون الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى هيئوا المكان، وأحضروا الحجارة والنخيل التي تم بها بناء المسجد، فكانوا يدًا واحدة حتى تم لهم البناء.
وكان الصحابة يدًا واحدة في حروبهم مع الكفار، ففي غزوة الأحزاب اجتمع عليهم الكفار من كل مكان، وأحاطوا بالمدينة، فأشار سلمان الفارسي -رضي الله عنه- على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر خندق عظيم حول المدينة، حتى لا يستطيع الكفار اقتحامه. وقام المسلمون جميعًا بحفر الخندق حتى أتموه، وفوجئ به المشركون، ونصر الله المسلمين على أعدائهم.
ما هو التعاون؟
التعاون هو مساعدة الناس بعضهم بعضًا في الحاجات وفعل الخيرات. وقد أمر الله -سبحانه- بالتعاون، فقال: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2].
فضل التعاون:
والتعاون من ضروريات الحياة؛ إذ لا يمكن للفرد أن يقوم بكل أعباء هذه الحياة منفردًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان معه فضل ظهر فلْيعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فلْيعُدْ به على من لا زاد له)
[مسلم وأبو داود].
وحث النبي صلى الله عليه وسلم على معونة الخدم، فقال: (ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم فإن كلَّفتموهم فأعينوهم) [متفق عليه].
والله -سبحانه- خير معين، فالمسلم يلجأ إلى ربه دائمًا يطلب منه النصرة والمعونة في جميع شئونه، ويبتهل إلى الله -سبحانه- في كل صلاة مستعينًا به، فيقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5].
وقد جعل الله التعاون فطرة في جميع مخلوقاته، حتى في أصغرهم حجمًا، كالنحل والنمل وغيرها من الحشرات، فنرى هذه المخلوقات تتحد وتتعاون في جمع طعامها، وتتحد كذلك في صد أعدائها. والإنسان أولى بالتعاون لما ميزه الله به من عقل وفكر.
فضل التعاون:
حينما يتعاون المسلم مع أخيه يزيد جهدهما، فيصلا إلى الغرض بسرعة وإتقان؛ لأن التعاون يوفر في الوقت والجهد، وقد قيل في الحكمة المأثورة: المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [مسلم].
وقال صلى الله عليه وسلم: (يد الله مع الجماعة) [الترمذي].
وقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضُه بعضًا)
[متفق عليه].
والمسلم إذا كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
وقال صلى الله عليه وسلم: (وعَوْنُكَ الضعيفَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ صدقة) [أحمد].
التعاون المرفوض: نهى الله -تعالى- عن التعاون على الشر لما في ذلك من فساد كبير، فقال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2].
والمسلم إذا رأى أحدًا ارتكب معصية فعليه ألا يسخر منه، أو يستهزئ به، فيعين الشيطان بذلك عليه، وإنما الواجب عليه أن يأخذ بيده، وينصحه، ويُعَرِّفه الخطأ.
- الإسلام دين التعاون والتكافل:
إنَّ الإسلام تنظيم كامل وشامل، أكرم الله الإنسان وشرَّفه به؛ لكي يعيش أياماً سعيدة في حياته على هذه الأرض، وسعادته إنَّما تتم بأن يهتدي إلى هويته أولاً، فيعرف أنه عبدٌ مملوك لإِله واحد متَّصفٍ بكل صفات الكمال هو الله عزَّ وجلَّ، ثم بأن تتحقق من حوله أسباب عيش كريم يمكِّنه من ممارسة عبوديته لله عز وجل. ولا تتوفر للإِنسان أسباب عيش كريم إلاَّ عن طريق التعاون والتكافل، على أساس من الاحترام المتبادل، ودون أن يكون ذلك ذريعة بيد أحد لظلم أو استغلال.
والإسلام ـ من دون الشرائع الوضعية كلِّها ـ هو التنظيم الذي يحقِّق هذه الحاجة الأساسية والخطيرة للإِنسان، في التئام مع فِطْرته وتصعيد لمزاياه ونفسيته.
وهو يحقق هذه الحاجة من خلال نظام متكامل يبدأ بتقويم العقيدة، ثم تقوم النظرة إلى الكون والحياة، ثم تقويم الخُلُق، ثم وضع الضوابط المنظِّمة والمقوِّمة للسلوك، ثم تغذية ذلك كلِّه والدخول تحت سلطانه باقتناع وطواعية.
وليست شريعة الزكاة إلاّ ضابطاً من جملة الضوابط الكثيرة التي شرعها الله تعالى لتقويم السلوك الإنساني بما يتلاءم مع شروط السعادة للمجموعة الإنسانية بوصفها التركيبي المتآلف، وبوصفها أفراداً ينشد كل منهم كرامته وسعادته الشخصية في هذه الحياة.
إنَّ وظيفة الزكاة ـ في نظرة كليَّة شاملة ـ هي مراقبة الدَّخْل الفردي أن لا يطغى في نموّه على ميزان العدالة بين الأفراد، وأن يظل نموُّه خاضعاً لأساس الاكتفاء الذاتي للجميع، نلاحظ هذا في قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه الذين كان يرسلهم إلى المدن والقبائل: "ادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأنَّي رسولُ الله،... فإنْ هم أطاعوا لذلك فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ قد أفتَرَضَ عليهم صَدَقةً تُؤْخَذُ من أغنيائهم فَتُرَدُّ على فُقرائهم". أخرجه البخاري (1331) ومسلم (19) وغيرهم.
وهكذا الشريعة الإسلامية، لا تَكِلُ الفرد إلى جهده وطاقته الشخصية وحدها في تدبير أمر نفسه وتوفير أسباب اكتفائه، كما لا تَكِلُه إلى ضميره الإنساني وحده في مدِّ يد التعاون العادل والتناصر الإنساني إلى أيدي إخوانه؛ بل إنَّها تُرسي القواعد والنُّظُم التي تمدُّ جهد الفرد ونشاطه الذاتي بعون يضمن له كرامة العيش ومستوى الاكتفاء، وترسي التشريعات الكافية لمراقبة الضمير الفردي أن لا يتمرَّد وتطغيَه نوازع البَغْي والأنانية، ولضبطه ضمن خطِّ العدل والاستقامة مع الآخرين. ولسوف تبدو لك هذه الحقيقة إن شاء الله تعالى من خلال سيرك في معرفة أحكام الزكاة، وكيفية جمعها وسُبُل توزيعها، وما إلى ذلك من الأحكام المتعلِّقة بهذا الركن الإسلامي العظيم وذي الأهمية البالغة.
2-معنى الزكاة:
الزكاة: مأخوذة من زَكَا الشيء يزكو، أي زاد ونما، يقال: زَكَا الزرعُ وزَكَت التجارة، إذا زاد ونما كلُّ منهما.
كما أنّها تستعمل بمعنى الطهارة، ومنه قوله تعالى: (قد أفلح من زكاها) (سورة الشمس/9) أي من طَّهرها ـ يعني النفس ـ من الأخلاق الرديئة.
ثم استعملت الكلمة ـ في اصطلاح الشريعة الإسلامية ـ لقَدَر مخصوص من بعض أنواع المال، يجب صرفه لأصناف معيّنة من الناس، عند توفر شروط معيّنة سنتحدث عنها.
وسُمِّي هذا المال زكاة؛ لأنَّ المال الأصلي ينمو ببركة إخراجها ودعاء الآخذ لها، ولأنها تكون بمثابة تطهير لسائر المال الباقي من الشبهة، وتخليص له من الحقوق المتعلقة به، وبشكل خاص حقوق ذوي الحاجة والفاقة.
3-تاريخ مشروعيتها:
الصحيح أنَّ مشروعية الزكاة كانت في السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قُبَيْلَ فرض صوم رمضان.
4- حُكْمها ودليلها:
الزكاة ركن من أهم الأركان الإسلامية، ولها من الأدلة القطعيَّة في دلالتها وثبوتها ما جعلها من الأحكام الواضحة، المعروفة من الدين بالضرورة، بحيث يكفر جاحدها:
فدليلها من الكتاب: قوله تعالى: (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) (سورة البقرة/ 43). والأمر بها مكرّر في القرآن في آيات كثيرة، كما ورد ذكرها في اثنين وثلاثين موضعاً.
ودليلها من السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم "بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحج، وصوم رمضان". رواه البخاري (8) ومسلم (16) وغيرهما.
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتَّفق عليه ـ والذي مرّ ذكره ـ لمعاذٍ رضي الله عنه، عندما أرسله إلى اليمن: "... فإنْ هُمْ أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أنَّ الله قد افتْرض عليهم صَدَقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ على فقرائهم".
والأحاديث في هذا كثيرة أيضاً.
5- حكمتها وفوائدها:
للزكاة حكم وفوائدها كثيرة يصعب حصرها جميعاً في هذا الكتاب الموجز، وهي في جملتها تعود لصالح المعطي والآخذ، لصالح الفرد والمجتمع، وإليك بعض هذه الحكم والفوائد:
أولاً ـ من شأن الزكاة أن تعوِّد المعطي على الكرم والبذل، وأن تقتلع من نفسه جذور الشحِّ وعوامل البخل، وخصوصاً عندما يلمس بنفسه ثمراتِ ذلك، ويتنبَّه إلى أن الزكاة تزيد في المال أكثر مما تنقص منه، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "ما نَقَصتْ صَدَقَةٌ من مال" مسلم: (2588). وكيف تنقصه؟! والله سبحانه يبارك له بسبب الصدقة بدفع المضرّة عنه وكفِّ تَطَلُّع الناس إليه، وتهيئة سُبُل الانتفاع به وتكثيره، إلى جانب الثواب العظيم الذي يترتب على الإنفاق ابتغاء مرضاة الله عز وجل.
ثانياً ـ تقوِّي آصِرة الأخوّة والمحبَّة بينه وبين الآخرين، فإذا تصوَّرتَ شيوع هذا الركن الإسلامي في المجتمع، وقيام كل مسلم وجبت الزكاة في ماله بأداء هذا الحق لمستحقيه، تصوَّرتَ مدى الألفة التي يتكامل نسيجها بين فئات المسلمين وجماعاتهم وأفرادهم، وبدون هذه الألفة لا يتم أي تماسك بين لَبنات المجتمع، الذي من شأنه أن يكون متماسكاً قوياً كالبنيان، بل أن يكون متعاطفاً متوِادداً كالجسد الواحد.
ثالثاً ـ من شأن الزكاة أن تحافظ على مستوى الكفاية لأفراد المجتمع، مهما وجدت ظروف وأسباب من شأنها تغذية الفوارق الاجتماعية، أو فتح منافذ الحاجة والفقر في المجتمع.
إنَّ الزكاة تعتبر بحقٍّ الضمانة الوحيدة لحماية المجتمع من أخطار الفوارق الاجتماعية الكبيرة بين أفراد الأمة، وأسباب الفقر والحاجة.
رابعاً ـ من شأن الزكاة أن تقضي على كثير من عوامل البطالة وأسبابها، فإن من أهم أسبابها الفقر الذي لا يجد معه الفقير قدراً أدنى من المال، ليفتح به مشروع صناعة أو عمل. ولكن شريعة الزكاة عندما تكون مطبقة على وجهها، فإن من حق الفقير أن يأخذ من مال الزكاة ما يكفيه للقيام بمشروع عمل، يتلاءم مع خبراته وكفاءته.
خامساً ـ الزكاة هي السبيل الوحيد لتطهير القلوب من الأحقاد والحسد والضَّغائن، وهي أدران خطيرة لا تنتشر في المجتمع إلاّ عندما تختفي منه مظاهر التراحم والتعاون والتعاطف، وليست هذه المظاهر شعارات من الكلام، وإنما هي حقائق ينبغي أن يلمسها الشعور، وأن تتجلَّى ثمارها ملموسة بشكل مادي في المجتمع، فإذا طُبِّقت الزكاة على وجهها برزت هذه ثمارها جليّة واضحة، وفعلت فعلها العجيب في تطهير النفوس من جميع الأحقاد والضغائن، وتآخى الناس على اختلاف درجاتهم في الثروة والغنى، وصدق الله العظيم إذ يقول: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (سورة التوبة/ 103)
أهميـه آلتعآون
- أهمية التعاون في واقعنا المعاصر
1- إن العون مبدأ من مبادئ الإسلام ، وفضيلة من فضائله التي حثّ عليها ودعا إليه، وأمر بها { وتعاونوا على البر والتقوى {.
2- إن التعاون يشيع روح الألفة والمحبة بين المؤمنين ، ويجعلهم كالجسد الواحد ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).
3- إن التعاون علاج لمشكلة الملكات المهدرة ، والطاقات المعطلة التي حال حب الذات والانعزالية دون استثمارها في مصلحة الفرد والمجتمع .
4- من طبيعة الفرد النقص ومحدودية الإنتاج والطاقة ، ولذلك فهو بحاجة إلى معونة إخوانه لكي يكمل نقصه ويسد خلله ، والمرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه .
5- حاجة الدعوة اليوم إلى تعان أبنائها لمواجهة تيارات الكفر التي تحاول جاهدة ضرب الإسلام عن قوس واحدة .
6- إن في التعاون بعداً عن الخطأ ، وسلامة – بإذن الله – من الانحراف والشطط ، وثباتاً على الحق . { وتواصوا بالحق وتواصا بالصبر {.
7- إن التعاون يكسب المرء قوة في مواجهة عقبات الطريق ، ومثبطات النفس الأمّارة بالسوء . فموسى - عليه السلام – عندما خشي من عقبة القتل ، وعائق اللسان سأل الحق - عز وجل – أن يعينه بأخيه هارون – عليه السلام – ليشدّ من أزره في مواجهة تلك العقبات ، وليقوّي عضده في سائر تكاليف الدعوة إلى الله .
2- مشروعية التعاون
- يقول ابن كثير رحمه الله مبيناً مشروعية التعاون على الخير:
وقوله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ، يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر ، وترك المنكرات وهو التقوى ، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم ، قال ابن جرير : " الإثم ترك ما أمر الله بفعله ، والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم في غيركم " .
ويقول القرطبي رحمه الله في تفسير: {وتعاونوا على البر والتقوى}... الآية.
"وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى "، أي ليُعِنْ بعضكم بعضاً ، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من دلّ على فعل خير فله مثل أجر فاعله) ، وقد قيل: الدال على الشر كصانعه.
وقال الماوردي : " ندب اله – سبحانه – إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له ؛ في التقوى رضا الله تعالى ، وفي البر رضا الناس ، ومن جمع بين رضا الله – تعالى – رضا الناس فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته " .
- في صحيح الإمام البخاري ، كتاب المظالم [باب نصرة المظلوم] ؛ حيث أورد الإمام البخاري حديث البراء بن عازب – رضي الله عنهما – قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ... وذكر منها: نصرة المظلوم). قال ابن حجر رحمه الله تعالى : " قوله : [ باب نصرة المظلوم ] هو فرض كفاية ،وهو عام في المظلومين ، وكذلك في الناصرين بناءٌ على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح ، ويتعين أحياناً على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة المنكر ، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يغير سقط الوجوب ، وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور ، فلو تساوت المفسدتان تخير ، شرط الناصر أن يكون عالماً بكو الفعل ظلماً " .
تنبيه : النُصرة صورة من صور التعاون ؛ لذلك قال الإمام البخاري : [ باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً ] . أورد حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فترجم بلفظ الإعانة ، وأورد الحديث بلفظ النصر إشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث حيث روى : ( أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً ) ذكر ذلك ابن حجر ثم قال : قال ابن بطّال : النصر عند العرب الإعانة .
3- فضل التعاون على الخير
حرص الإسلام على تمجيد التعاون والحث عليه ، والترغيب فيه ، وبيان فضله ومنزلته ، وانبرى أهل العلم يرغبون فيه ، ويدعون إليه ، وإليك طرفاً مما جاء في فضله :
- المستعان:
صفة من صفات الحق عز وجل وهو الذي يستعين به عباده ، ويطلبون منه المعونة - ولا يطلبها سبحانه من أحد – وقد تضمنت فاتحة الكتاب مناه فقال عز وجل : { إياك نعبد وإياك نستعين } .
وقد ورد ذكر هذه الصفة ذاتها مرتين في كتاب الله ، قال الله تعالى : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } ، وقال : { قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون } .
وكيف ينال العبد الإعانة من خالق الأرض والسموات ومدبر البريات ؟
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : " أن يعين العب إخوانه المسلمين ، ويسعى في حاجاتهم ، وتنفيس كربهم ؛ لينال الإعانة من الله – عز وجل – التي وعدها إياه حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) .
- محبة الله عز وجل للمتعاونين فيه
مما تمليه الأخوة في الله على المتآخين التواصل فيما بينهم ، والتباذل والتكاتف ، وكل هذه صور من صور التعاون التي أخبر الحق – عز وجل – عن محبته لأصحابها متى أخلصوا الية فيها ، وقد روى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم يرفعه إلى ربه عز وجل : ( حقّت محبتي للمتحابين فيّ ، وحقّت محبتي لمتواصلين فيّ ، وحقّت محبتي للمتباذلين فيّ ، وحقّت محبتي للمتزاورين فيّ ) .
- التعاون صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم يحب إعانة المسلمين ، ويسعى في قضاء حاجاتهم ؛ ولهذا وصفته خديجة رضي الله عنها بعد نزول الوحي بانه يعين على نوائب الحق ، وهي من أشرف الخصال وأجلّ الخلال .
- مغفرة الذنوب
إن من التعاون أن يسعى المؤمن في خدمة إخوانه ؛ سواء يفعل ما فيه نفعهم وسعادتهم ، او بإزالة ما يؤذيهم ويضيّق عليهم ؛ ولذا فإن إماطة الأذى عن طريق إخوانه تعاون يحبه الله ويشكر لصاحبه صنيعه .
ولما كان أصل التعاون هو إحساس المرء بالآخرين ، وشعوره بآلامهم وأفراحهم ومشاركته لهم فيها ؛ فإن هذا الإحساس مثاب عليه ولو كان بالبهائم ، فإعانته لها في مأكلها ومشربها له فيه أجر .
- النجاة من كرب يوم القيامة
مهما تعاظمت كروب الدنيا على الإنسان ؛ فإنها لن تبلغ معشار كربة من كرب يوم القيامة الذي يُحشر فيه الناس حفاة عراة غُرلاً .. وقد جعل الله جزاء من أعان أخاه على كربة من كرب الدنيا فنفّسها أو فرجها عنه أن ينفّس عنه كربة من كرب يوم القيامة .
- الإعانة للمسلمين من أفضل الأعمال
قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن سروراً ، أو تقضي له ديناً ، أو تطعمه خبزاً ).
- معونة الله للمتعاونين
قال صلى الله عليه وسلم : ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ).
- دخول الجنة
قال صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيت رجلاً في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين ) . وفي رواية : ( مرّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال : والله لأنحيّن هذا عن المسلمين لا يؤذيهم .. فأُدخل الجنة ).
هذا أُدخل الجنة بغصن كان يمكن أن يؤذي المسلمين ، فماذا لو تعاون مع إخوانه على إزالة تيارات الفساد والإفساد التي تؤذي المسلمين في الليل والنهار ، والتي أردت الكثير من أبناء المسلمين صرعى الشهوات والشبهات .
- دوام نعمة الله على عبده
إن الملكات والطاقات المادية والمعنوية نِعم يهبها اللهُ من يشاء من عباده ، وهذه النعم ما لم يبذلها المرء في عون إخوانه المسلمين ؛ فإن الله عز وجل ينزعها منه . قال صلى الله عليه وسلم : ( إن لله أقواماً يختصّهم بالنعم لمنافع العباد ، ويُقرّهم فيها ما بذلوها ، فإذا منعوها نزعها الله منهم فحوّلها إلى غيرهم ).
- التعاون أفضل من نافلة الاعتكاف ، كما أن الله يثبت قدم الباذل للمعونة يوم تزول الأقدام
قال صلى الله عليه وسلم : ( أحب الناس إلى الله تعالى انفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله – عز وجل – سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه ديناً ، أو تطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إليَّ من أعتكف في هذا المسجد ( يعني مسجد المدينة ) شهراً ، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظه ، ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام ) .
4- من صور التعاون على البر والتقوى
- التناصح
التعاون لا يقتصر على الحدود المادية بل يتجاوزها إلى التعاون في مجال القيم والخُلق ، وذلك عن طريق التناصح الذي يكون بين المؤمن وأخيه ، وقد قال سيد البشر صلى الله عليه وسلم مجلياً لهذه الصورة من التعاون : ( المؤمن مرآة المؤمن ) ، فما أعظمه من تعاون يوم يأخذ الأخ بيد أخيه ليرتقي به في مدارج الكمال مبنياً له برفق وحكمة ما يراه فيه من نواقص ، وما يعتريه من معايب ، وقد أحاط نصحه يستر لا ينكشف . « انظر التناصح بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء في صحيح الإمام البخاري » .
- طلب العلم والتفقه في الدين
لقد أورد الإمام البخاري في صحيحه في باب التناوب في العلم حديث عمر ، وكيف كان يتعاون مع أخٍ له في الله على التناوب على مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم حتى لا يفوتهم شيء من الوحي .
- التعاون في الدعوة إلى الله
من السذاجة أن يعتقد المرء أنه يستطيع أن يقوم بجميع تكاليف الدعوة ومستلزماتها ، ويؤدي جميع واجباتها ومسؤولياتها بمعزل عن إخوانه مستقلاً عنهم ومستغنياً عن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق